استكشف باقات مجرة


يسهم مختبر الخلايا الكهروضوئية في تسريع عملية تطوير مواد جديدة للخلايا الشمسية باستخدام التعلم الآلي والروبوتات.

2021-05-04 05:02:01

01 مايو 2021
Article image
يستخدم "الروبوت الكيميائي" -الذي يعمل معه البروفيسور تونيو بوناسيسي في سنغافورة- التعلمَ الآلي لخلط المواد الكيميائية في العينات.
مصدر الصورة: زكريا زينال
يسهم مختبر الخلايا الكهروضوئية في تسريع عملية تطوير مواد جديدة للخلايا الشمسية باستخدام التعلم الآلي والروبوتات.
look

من أجل تقليل استخدام الوقود الأحفوري بما يكفي لحماية العالم من الارتفاع الكارثي في درجة حرارته، ينبغي علينا استغلال المزيد من الطاقة الشمسية. ووفقاً لعدة مجموعات خبراء، بما فيها اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، يجب علينا إنتاج حوالي ثلث الكهرباء في العالم من مصادر الطاقة الشمسية بحلول عام 2030.

يقول تونيو بوناسيسي، أستاذ الهندسة الميكانيكية ورئيس مختبر الخلايا الكهروضوئية التابع لإم آي تي، إنه في الوقت الحالي، مع تبقي أقل من عقد من الزمن على ذلك الموعد، لم ننجز إلا “حوالي عُشر ذلك”. لتحقيق ذلك الهدف، سيتوجب علينا تسريع نشر تقنيات استغلال الطاقة الشمسية على نطاق كبير.

أصباغ طعام خاصة بالروبوت بوناسيسي الكيميائي

تجمع وحدة السحب عالية الإنتاجية الخاصة بروبوت بوناسيسي “الكيميائي” بين أصباغ الطعام الحمراء والزرقاء والصفراء لإنشاء ألوان محددة.
مصدر الصورة: زكريا زينال

مع أخذ ذلك في الاعتبار، خضع مختبر الخلايا الكهروضوئية لعمليات إعادة تشكيل متواصلة على مدى السنوات القليلة الماضية؛ حيث يجلب بوناسيسي وزملاؤه أي شيء يعتقدون أنه قد يسرع البحث عن مواد جديدة للخلايا الشمسية. لقد جربوا كل شيء بدءاً من ساعات التوقف واختبارات الشخصية إلى خوارزميات التعلم الآلي وروبوتات سحب العينات.

وحصلوا في النتيجة على وتيرة تجارب مخبرية أسرع بعدة مرات مما سبق؛ حيث قاموا بتكثيف العمليات التي استغرقت في السابق ستة أشهر أو سنة ليتم إنجازها في غضون أسبوعين. وعلى سبيل المثال، يمكن الآن تحليل أطياف انكسار الأشعة السينية -الذي كان يتطلب ساعتين إلى ثلاث ساعات- في غضون 5.5 دقيقة. يقول بوناسيسي: “في الوقت الحالي، يتعلق الأمر برمته بمسألة السرعة”.

البحث عن بدائل موثوقة للسيليكون

بدأ مختبر الخلايا الكهروضوئية استخدام خوارزميات التعلم الآلي في عام 2012. ويقول بوناسيسي: “لم ننظر إلى هذه الخوارزميات على أنها طريقة جديدة كلياً لممارسة الأبحاث العلمية، بل اعتبرناها مجرد أداة إنتاجية”. ولكن بحلول عام 2017، أدرك أن سؤال البحث الرئيسي الذي كان المخبر يعمل عليه كان معقداً للغاية بحيث لا يمكن إحراز تقدم فيه بالاعتماد على الوسائل التقليدية. يقول: “توجب علي تغيير طريقة قيامي بالبحث العلمي حتى أتمكن من التعامل مع السؤال البحثي”.

كان هذا السؤال يتمحور حول كيفية إيجاد بدائل موثوقة للسيليكون لاستخدامها في التقاط الطاقة الشمسية. تعتمد 95% من الخلايا الشمسية في العالم حالياً على أشباه موصلات السيليكون. يتميز هذا العنصر بوفرته في الطبيعة؛ إذ يتواجد في جميع أنواع التربة والرمل تقريباً. كما أن الخلايا الشمسية المصنوعة منه تتسم نسبياً بالكفاءة والقوة. تستطيع اللوحة الشمسية العادية المصنوعة من السيليكون تحويل حوالي 20% من طاقة ضوء الشمس الذي يسقط عليها، ويمكن أن تستمر في عملها بشكل يومي ولمدة عقود دون أن تتعطل.

“عندما تكون محكوماً بوضع منخفض الإنتاجية، فإنك تميل إلى ممارسة عملك بحذر. لكن إذا علمت أن أمامك المزيد من الفرص، ستجرؤ على رفع سقف طموحاتك”.

لكن تحويل السيليكون إلى رقاقات رفيعة ونقية لوضعه في هذه الخلال يعد عملية مكلفة وصعبة نسبياً ومستهلكة للطاقة، وغالباً ما تتطلب استخدام مواد نادرة مثل الفضة، ويعمل الخبراء -بمن فيهم بوناسيسي- على تحسين هذه العمليات. ولكن إذا أردنا أن نجعل الطاقة الشمسية تشكل جزءاً رئيسياً من الشبكة الكهربائية، فإن استخدام بعض المواد سهلة التصنيع سيساعد في توسيع الإمكانات، وكما يقول بوناسيسي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تسريع المنافسة، ودفع عجلة الابتكار، وخفض الأسعار في كامل العملية.

البيروفسكايت هي إحدى فئات المواد الواعدة في هذا الصدد، وهي مركبات طبيعية ويمكن تصنيعها في المختبر ذات بنية بلورية تجعل منها أشباه موصلات جيدة. تعد البيروفسكايت أبسط وأسرع في التصنيع بالمقارنة مع رقائق السيليكون. ونظراً لكونها مركبات وليست عناصر، فقد يكون هناك عدد كبير منها لم يتم إنشاؤه بعد، كما يقول عضو مختبر الخلايا الكهروضوئية جيم سيردي. علاوة على ذلك، يمكن تكديس البيروفسكايت المختلفة داخل خلية شمسية واحدة من أجل امتصاص أطوال موجية مختلفة من الضوء واستخلاص المزيد من الطاقة من كل شعاع شمسي.

ويرى سيردي أنه إذا تمكنت البيروفسكايت من شق طريقها إلى سوق الطاقة الشمسية، فقد يمثل ذلك “المسار الحاسم” لتلبية احتياجات الطاقة في العالم على نحو مستدام. ولكن إمكانية حدوث ذلك “تعتمد إلى حد كبير على مدى سرعة اكتشاف هذه المركبات الجديدة وخصائصها”.

تصنيع مواد لم يستكشفها أحد من قبل

إن العدد الهائل من البيروفسكايت مثير للاهتمام؛ فقد يكون هناك الآلاف من البيروفسكايت التي تناسب تطبيقات مختلفة. ولكن هذا العدد الكبير يصعِّب عملية البحث عن المادة المثالية: تلك التي تنجز المهمة المطلوبة وتتمتع بالمزيج الصحيح من الاستقرار والكفاءة والفعالية من حيث التكلفة، التي يمكن تصنيعها بسهولة وعلى نطاق واسع.

في الماضي، كان العلماء الذين يحاولون اكتشاف أو اختراع مادة جديدة يبدؤون ببعض التخمينات المبنية على دراسات. وكانوا ينشئون بعض المواد في المختبر ويختبرونها، ثم يستخدمون ما تعلموه للمحاولة مرة أخرى. وقد يستغرق العثور على خيار جيد واحد فقط عاماً أو أكثر. يقول بوناسيسي: “من الناحية الإحصائية، فإن الأمر يشبه القرود التي تضرب على آلة كاتبة”، تستمر في الضرب على المفاتيح حتى تحدث المصادفة وتكتب كلمة ذات معنى.

لا يزال باحثو مختبر الخلايا الكهروضوئية يتبعون هذا النهج الأساسي (يقول بوناسيسي: “المنهج العلمي لا يفقد بريقه وأهميته”)، لكنهم قاموا فقط بمنحه دفعة تسريع كبيرة؛ حيث تساعدهم الخوارزميات المدربة على الدراسات النظرية والنتائج السابقة في اقتراح تخمينات أكثر ذكاءً. كما أن التجارب عالية الإنتاجية والتحليل الآلي يسمح لهم باختبار تلك التخمينات بشكل أسرع وإجراء العديد من الاختبارات بالتوازي. مع كل هذه التطورات، “نحن قادرون على تسريع العملية برمتها”، كما تقول عالمة الأبحاث شيجينغ صن، رئيسة فريق برنامج تطوير المواد المسرَّع في المختبر.

ويقول بوناسيسي إن الأبحاث عالية الكفاءة لا تؤدي إلى تسريع وتيرة الاكتشاف فحسب، بل إنها تمنح الباحثين جرأة أكبر. ويضيف: “عندما تكون محكوماً بوضع منخفض الإنتاجية، فإنك تميل إلى ممارسة عملك بحذر”. لكن إذا علمت أن أمامك المزيد من الفرص، “فسوف يتنامى طموحك بشكل كبير”.

في خريف عام 2018، على سبيل المثال، شرع فريق صن بالبحث عن بيروفسكايت أكثر استقراراً. (على الرغم من أن بعض الخلايا الشمسية المصنوعة من البيروفسكايت أصبحت الآن تتمتع بنفس كفاءة خلايا السيليكون، إلا أنها أكثر عرضة لتدهور الأداء). بدؤوا بتحديد ما يسمونه “فضاء البحث” الخاص بهم، وفي هذه الحالة كان عبارة عن إجراء تقييم لمجموعة من 5,000 مادة مختلفة تشمل تركيبات من السيزيوم، الميثيلامونيوم، الفورمامدينيوم، يوديد الرصاص، تم خلطها بنسب مختلفة وتصنيعها بطرق مختلفة.

عالمة الأبحاث شيجينغ صن وبوناسيسي

عالمة الأبحاث شيجينغ صن وبوناسيسي في مختبر الخلايا الكهروضوئية في عام 2019.
مصدر الصورة: جون فريدا

في الجولة الأولى من الدراسة التجريبية، طلبت المجموعة من خوارزمية اختيار 28 مادة توفر عينة واسعة من الاحتمالات، كما تقول صن. وبعد تركيب هذه المواد، أخضعها الفريق لأدوات وتقنيات عالية الإنتاجية طورها سيردي وأحد الزملاء التقنيين للمختبر، جاناك ثابا. تتيح لهم هذه الأدوات اختبار ثبات المواد بسرعة عن طريق تعريضها لدرجات حرارة ورطوبة عالية وإضاءة، وهي الظروف المختلفة التي قد تواجهها على سطح مشمس.

تقول أرمي تيهونين، باحثة ما بعد الدكتوراه في المختبر: “عملياً، ما نقوم به يشبه وضع هذه المواد في حمام بخار، وسعينا لتسريع عملية التعرض إلى حد كبير بهدف جعل المواد تتحلل بسرعة؛ لأننا لم نرغب في إضاعة شهور من الوقت”.

قام الفريق بإعداد كاميرات لالتقاط صور للمواد كل خمس دقائق بهدف قياس استقرارها. يتغير لون البيروفسكايت عند تحللها، وغالباً ما يتلاشى من لون قريب إلى الأسود ليتحول إلى الأصفر الباهت. بعد أن قضت العينات حوالي خمسة أيام في “حمام البخار”، حلل الفريق الصور لتحديد معدل تدهور كل مادة. (قاموا أيضاً بتحليل بعض العينات بشكل أكثر عمقاً باستخدام انكسار الأشعة السينية، لتأكيد الملاحظات المرئية ومعرفة كيفية تغير بنية المواد مع تدهورها).

ثم قاموا بتزويد هذه النتائج إلى الخوارزمية الأولى وطلبوا منها اختيار 28 مادة أخرى؛ بعضها مشابه لتلك الأكثر نجاحاً في المرحلة التجريبية، وبعضها مواد لم يتم استكشافها من قبل.

تقول صن إنه حتى علماء المواد الأكثر خبرة سيواجهون مشكلة في اتخاذ هذا النوع من القرارات؛ وتضيف: “يمكنني اتخاذ هكذا قرار إذا كان لدينا 10 مواد، لكن عند التعامل مع 5,000 مادة، فلا يمكنني التفكير حقاً في الخطوات التالية”.

لقد مر الفريق بدورة العمل هذه عدة مرات: اختيار المواد عبر الخوارزمية، وإنشاء عينات واختبارها في العالم الحقيقي، وتغذية النتائج إلى الخوارزمية. ومع نهاية الجولة الرابعة، وجدوا مجموعة من المواد التي كانت أكثر استقراراً بمقدار 17 ضعفاً من مادة البيروفسكايت الأكثر استخداماً، بالإضافة إلى أنها أكثر استقراراً بثلاث مرات من المادة السابقة الأفضل التي اكتشفوها في المختبر بالاعتماد على وسائل أكثر تقليدية . (تم نشر نتائجهم وأساليبهم في فبراير من قبل مجلة ماتر Matter).

حققت مشاريع أخرى لمختبر الخلايا الكهروضوئية نجاحاً مماثلاً؛ ففي عام 2019، شرع فريق صن بمشروع للعثور على بيروفسكايت خالٍ من الرصاص. واكتشفوا مادتين جديدتين تماماً إلى جانب أربع مواد لم يتم تصنيعها من قبل في شكل الغشاء الرقيق اللازم لاستخدامها في الخلايا الشمسية. يقول بوناسيسي: “في الماضي، كان من المحتمل أن يستغرق الأمر أكثر من عام”، لكن تم الانتهاء منها خلال شهرين بالاعتماد على الأساليب الجديدة.

في تجربة أخرى، أثبتت خلية شمسية من البيروفسكايت مصنعة باستخدام إحدى هذه المواد الجديدة أنها أكثر استقراراً في ظل ظروف بيئية قاسية من أفضل خلية صنعها هؤلاء الباحثون على الإطلاق باستخدام أساليبهم السابقة؛ ما يدل على أن التحسينات في هذه المواد الفردية تنتقل إلى الأجهزة الشمسية التي تدخل في صناعتها.

يوضح بوناسيسي أن الفريق “يدمج المحاكاة والتجربة معاً” لتسريع عملية استكشاف واختبار المواد الواعدة، ويقول: “نحن نقترب أكثر فأكثر من المرحلة التي نستطيع فيها تخيل شيء ما ومن ثم تحويله إلى مادة على أرض الواقع”.

تسريع البحث بمساعدة الذكاء الاصطناعي والروبوتات

يسارع الباحثون في مختبر الخلايا الكهروضوئية من خطواتهم الحثيثة في هذا المجال؛ في عام 2020، بعد 10 سنوات من الدراسة والعمل في التجارب المخبرية، بدأ ثابا الخوض في مجال التعلم الآلي. وبحلول نهاية العام، كان قد شارك في تأليف أول ورقة بحثية له حول هذا الموضوع.

يقول: “إن الهوية الأساسية للمختبر هي قدرته على التكيف”؛ حيث يتعلم الأعضاء القيام بأي مهمة تحتاجها المجموعة، وهذا ينطبق حتى على الطلاب الجامعيين في المختبر. ووفقاً لسارة بونر، مديرة برنامج المختبر، يكمن الهدف وراء ذلك في أن يتعلم أي طالب في المختبر “كيف يعمل ضمن مشروع ويكون عضواً في فريق، وأن يكون عضواً فعالاً ومساهماً في مجتمع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات”.

يمكن أن تؤدي هذه الأهداف إلى القيام بخطوات غير مألوفة؛ فقبل سنوات، استعار المختبر أداة كانت تستخدم في مصانع أوائل القرن العشرين من أجل استكشاف أساليب توفير الوقت في عملياتهم. يقول بوناسيسي: “كان لدينا حقاً أشخاص يمتلكون ساعات توقيت يراقبون كل خطوة في العملية المختبرية ويوقتونها”. وعلى أساس هذا التحليل، قاموا بتحسين أساليبهم واستثمروا في معدات جديدة. لقد قاموا بتحسين كفاءة تحضير العينات في المختبر بنسبة 350%؛ حيث انتقلوا من 28 دقيقة تستغرقها كل عينة في عام 2015 إلى حوالي ثماني دقائق في عام 2018.

وفي الآونة الأخيرة، طُلب من الجميع في المختبر إجراء اختبارات الشخصية حتى يتمكنوا من تعلم البناء على نقاط القوة لدى بعضهم البعض والعمل معاً بشكل أفضل. ينظر بوناسيسي إلى هذه التدريبات باعتبارها استثمارات، ويقول: “إذا أمضينا الوقت في تطوير مجموعة الأدوات هذه التي تسمح لنا بالعمل بشكل أكثر إنتاجية، فيمكننا حينئذٍ حل 10 أضعاف المشاكل التي كنا نستطيع العمل عليها سابقاً”.

عندما تكون المخاطر كبيرة، ربما تشكل الوتيرة السريعة في العمل مبعثاً للطمأنينة. تقول تيهونين إنه في بداية حياتها المهنية كان العمل بطيئاً للغاية لدرجة أن أهدافها بدت دائماً بعيدة المنال. لكنها الآن تستطيع هي وزملاؤها “بالفعل تحقيق ما نريده”.

تعبر صن عن إعجابها بالطريقة التي تسمح لها فيها التقنيات الجديدة بتوسيع مجال خبرتها؛ ففي الماضي، ربما كان فريق البحث قد ركز على معيار واحد أو فئة واحدة من البيروفسكايت، أما اليوم فأمامهم “فرصة ليتمكنوا من الانخراط في المزيد من المشاريع والاقتراب من اكتشاف مادة الخلايا الشمسية التي يحلمون بها”.

يواصل الفريق البحث عن العقبات في هذه العملية ومحاولة تذليلها قدر الإمكان. على مدى السنوات القليلة الماضية، أمضى بوناسيسي الكثير من الوقت في سنغافورة كجزء من تحالف سنغافورة-إم آي تي للأبحاث والتكنولوجيا. ويبدأ -هناك وفي إم آي تي- بدمج الروبوتات القادرة على تنفيذ بعض الخطوات في عمليات البحث في المختبر. في سنغافورة، على سبيل المثال، يقوم روبوت تركيب بخلط مواد كيميائية مختلفة في التركيبات المطلوبة لصنع العينات بشكل أسرع وأكثر دقة؛ ما يمكن للباحث أن يقوم به جاهداً باستخدام أجهزة السحب. ويستطيع الروبوت أن يقوم بالخطوات الفيزيائية الدقيقة على نحو أسرع بأربعة إلى عشرة أضعاف فيما لو قام بها شخص، كما أن دقته تساعد في تحسين قابلية إعادة إجراء العملية. علاوة على ذلك، يمكن التحكم في هذا الروبوت عن بُعد؛ لذا يمكن لأعضاء المختبر أو المتعاونين في أي مكان “ترتيب الوظائف وتشغيلها”، حسب قول بوناسيسي. وفي الوقت نفسه، يعمل هو وعدد قليل من المتعاونين أيضاً على تطوير أداة فائقة الإنتاجية من شأنها مساعدة الباحثين في مختبر إم آي تي من أجل البحث ضمن احتمالات أكبر في وقت واحد.

على الرغم من أن الآلات قد تكون أسرع، إلا أن البشر يتمتعون -بشكل عام- بقدرة أكبر على التكيف. إن حصر استخدام الروبوتات والأدوات المماثلة في الحالات التي تكون فيها مفيدة عوضاً عن أتمتة كل شيء يمكِّن المختبر من تسريع عمله مع الحفاظ على “المرونة البشرية”، التي يقول بوناسيسي إنها مهمة بشكل خاص في المرحلة المبكرة من البحث والتطوير.

لكنه يقول إن التسريع الأكثر أهمية يأتي عندما يتبنى الآخرون هذه الأساليب ويطورونها. يتيح مختبر الخلايا الكهروضوئية كل ما يقوم به في صيغة مفتوحة المصدر، بدءاً من خوارزميات البحث عن استقرار المواد ووصولاً إلى مخططات الآلات، من أجل “دفع هذه التقنيات ونشرها في أماكن أخرى، وإثارة حماس المزيد من الأشخاص بشأنها وبشأن العمل عليها”، على حد قوله، إذن إننا “لا نملك الكثير من الوقت لنضيعه”.

العثور على التركيبة المثالية

أداة بحثية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تنظر إلى الماضي للعثور على طرق أفضل لتصنيع المواد.

في كثير من الأحيان، علينا أن نلقي نظرة إلى الماضي حتى نتمكن من المضي قدماً. تعمل إلسا أوليفيتي، أستاذة التطوير الوظيفي التي تشغل الكرسي الفخري (إستر وهارولد إي. إدجرتون) في قسم علوم وهندسة المواد في إم آي تي، على مجموعة من الخوارزميات -أو كما تحب أن تسميها: خط عمليات لعلوم البيانات- تتيح للباحثين البحث في الدراسات العلمية الحديثة السابقة للعثور على طرق حول كيفية بناء الأشياء التي نحتاجها للمستقبل.

إلسا أوليفيتي

إلسا أوليفيتي.
تقدمة الصورة: كورتيزي فوتو

دائماً ما تبحث مجموعة أوليفيتي -التي تركز على إيجاد طرق مستدامة وبأسعار معقولة لتصميم المواد وتطويرها- عن أدوات جديدة، كما تقول. وقبل بضع سنوات، كانت تتحدث إلى جيربراند سيدر، عضو هيئة التدريس في إم آي تي آنذاك ومؤسس مشروع المواد، وهو قاعدة بيانات للمعلومات حول المواد المعروفة والمتوقعة التي يمكن للباحثين استخدامها للعثور على المركبات التي تتمتع بالخصائص الدقيقة التي يبحثون عنها حتى لو لم يتم صنعها من قبل.

ولمست أوليفيتي فرصة للخوض أعماق في هذا المجال. في حين أن معرفة ما يجب القيام به هو خطوة أولى حيوية، تقول إن “طريقة تصنيع المادة هي ما يحتاج المرء إلى معرفته من حيث التأثير البيئي والاقتصادي”. ووجدت أوليفيتي أنه في كثير من الحالات، نجح الباحثون بالفعل في تصنيع المواد، وسجلوا خطوات التصنيع بدقة ونشروا مراحلها ونتائجها. فلماذا لا نستفيد من هذا المصدر؟

لنفترض أنه قد تم تكليفك بصنع كعكة شوكولا لا تستغرق وقتاً طويلاً في التحضير وتتضمن مكونات ميسورة التكلفة. يمكنك أن تبدأ من نقطة الصفر: خلط المكونات، وضبط كمياتها، ثم تحضير الكعكة تلو الأخرى حتى تنجح في إعداد الكعكة المطلوبة. يمكنك أيضاً البحث في كتب الطبخ القديمة ومشاهدة البرامج التعليمية عبر الإنترنت واستشارة أصدقائك الموثوقين. ولكن ماذا لو كان بين يديك جهاز قادر على البحث في ملايين كتب الطبخ ومقاطع الفيديو وأقسام التعليقات في مواقع الطبخ، وتجميع المعلومات التي يجدها لإعداد وصفة جديدة تناسب أهدافك؟

هذا هو ما تقدمه أداة أوليفيتي بشكل أساسي؛ فقد يرغب مستخدمو الأداة في صنع إلكتروليت صلب لبطارية ليثيوم أيون، أو بديل منخفض الانبعاثات الكربونية للإسمنت. بدلاً من أن يقوم الباحثون بقراءة وإعادة إنتاج الأعمال السابقة في هذا المجال بمفردهم أو مع عدد قليل من الزملاء، يمكنهم أن يطلبوا من الأداة الاطلاع على أكبر قدر ممكن من الأدبيات التي تمتلك وصولاً إليها، وهذا يشمل حالياً ملايين الأوراق البحثية وبراءات الاختراع.

تجمع أداة أوليفيتي بين خوارزميات معالجة اللغة الطبيعية (التي تمسح الأوراق البحثية لاستخراج المعلومات ذات الصلة) مع الشبكات العصبونية (التي توصي بوصفات جديدة بناءً على ما نجح في الماضي). تسعى الأداة للحصول على معلومات حول المواد ذات الصلة، وحول المواد المختلفة التي قد يكون لها خصائص ذات صلة.

تقول أوليفيتي إنه كان من الصعب إنشاء مجموعة من الخوارزميات التي يمكنها استخلاص وصفات مفيدة من الكثير من الأوراق البحثية، كل منها تمتلك صياغتها الأسلوبية ومفرداتها الخاصة بالمجال. لكن هذا الجهد يقدم بالفعل تحليلات ومعلومات غير متوقعة.

في عام 2019، كانت تعمل مع بعض زملائها على الزيوليت، وهي مواد مسامية حيوية تستخدم في عدد من التطبيقات بدءاً من التحفيز الصناعي وصولاً إلى إلى تنقية الهواء. يؤثر حجم وترتيب مسام الزيوليت على الغرض الذي يمكن استخدامها فيه، ولكن لم تُعرف بالضبط كيفية التحكم في هذه السمة أثناء التصنيع. لكن أوليفيتي وزملاءها تمكنوا من استنتاج الخطوات الأساسية اللازمة لتصنيع زيوليت أكثر أو أقل مسامية بالاعتماد على الخوارزميات الخاصة بالبحث في الأدبيات واستخراج المعلومات منها. وبكلمات أخرى، تم استخدام النتائج المجمعة للباحثين السابقين لإنقاذ الباحثين المستقبليين من خوض غمار جولات لا تنتهي من التجربة والخطأ.

بالإضافة إلى تقديم الوصفات الحالية للمواد، يمكن لخوارزمية كهذه أن تساعد في إنشاء وصفات جديدة، كما تقول أوليفيتي. وتفكر في إمكانية دمج خطوة التنقيب في النصوص في تدفق أعمال معينة مثل تلك التي يقوم بها بوناسيسي لإضفاء بُعد تاريخي على المحاولات القائمة على الذكاء الاصطناعي والهادفة إلى تركيب المواد.

قد يكون من الممكن أيضاً، وفقاً لأوليفيتي، استخدام تقنية مماثلة “لرسم ملامح موضوعات واسعة في هذا المجال، أو فهم التوجهات الناشئة. إنها فرص رائعة وواسعة بدأنا للتو في استكشافها”.